منتدى السلام الفلسفي

زائرنا الكريم أهلا وسهلا و مرحبا بك في منتداك؛ منتدى السلام.
إدا كنت ترغب بالمشاركة قم بالتسجيل الآن.

منتدى السلام. منتدى من لا منتدى له . (ثانوية زينب النفزاوية)


    تصحيح التقويم المنزلي

    شاطر

    تصويت

    هل التصحيح ملائم للتقويم؟

    مجموع عدد الأصوات: x
    avatar
    L'ADMINISTRATEUR
    Admin

    تاريخ التسجيل : 20/11/2010

    تصحيح التقويم المنزلي

    مُساهمة من طرف L'ADMINISTRATEUR في الإثنين 30 يناير 2012, 15:38





    إن الشخص تلك الذات المتمتعة بخصائص ومقومات تحدد ماهيتها، ليس عنصرا مستقلا أو فردا معزولا، إنه موجود مع الآخرين/الأغيار، فهو في حاجة دائمة لهم، ولا عيش له إلا بهم. غير أن هذا الوجود الإنساني المرتبط بوجود الغير، غالبا ما كان يطرح مجموعة من الإشكالات التي ترى في هذا الوجود الآخر للغير تهديدا لوجود الذات أو على العكس من ذلك، قد يشكل إغناء لها. ولربما هو نفس الإشكال الذي يصرح به السؤال - الماثل أمامنا- والذي يمكن إعادة صياغته على النحو التالي: كيف يتحدد وجود الغير بالنسبة للأنا؟ ما علاقة هذا الوجود بتجربة الذات؟ وهل يشكل فعلا مصدر إفقار وتهديد لتجربة الذات أم مصدر إغناء لها؟

    بالوقوف عند دلالة الألفاظ والمفاهيم التي يتضمنها هذا السؤال، يتبين أنه يبدأ بأداة الاستفهام "هل" التي تفيد طلب الإجابة ب"نعم" أو "لا" أو بهما معا، وهو بذلك يفتحنا على خيارين مصرح بهما في منطوق السؤال؛ أحدهما يرى بان وجود الغير باعتباره ذلك الأنا الذي ليس بأنا، أي الأنا المماثل لي والمختلف عني في نفس الوقت، يشكل تهديدا للذات يفرغها من خصوصياتها ويجردها من مميزاتها واستقلاليتها، كما يمكن أن يكون مصدر صراع علائقي أو قلق وجودي بالنسبة لها، بينما يرى الخيار الثاني في وجود الغير إغناء لتجربة الذات وتثمينا لهاولقدراتها..

    إن وقوفنا عند الطرح الأول، - يجعلنا نقف بالدرجة الأولى - عند تلك الرؤى النظرية التي ترى في وجود الغير تهديدا لوجود الذات، وبشكل خاص موقف الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر"؛ حيث يأخذ هذا التهديد معنى أساسيا عند الحديث عن مميزات الوجود مع الغير. إنه وجود معه في الحياة اليومية العادية، مع الناس، يفرغ الذات من إمكاناتها وتفردها لأن الإنسان يفقد بذلك أصالته ويشبه جميع الناس وكأنه لا أحد. إن الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان تجعله يحيا حياة غير أصيلة، ويسمح للمجهول الذي نسميه "الناس، أو الجمهور، أو الرأي العام..." أن يفرضها عليه، فعندما يلعب الإنسان الرياضة، أو يتفرج في المباريات أو يشاهد برامج معينة أو يلبس بطريقة محددة فقط لأن الناس أو العامة تفعل ذلك، عندما يفعل كل هذا يفقد تفرده وأصالته. وبذلك إذن تلغي الحياة العامة، كل الفروق وتقضي على كل أصالة، وتنزع عن الموجود الإنساني كل قدرة على تحمل المسؤولية، أي تحرمه من أن يكون ذاته، وتملي عليه أسلوب وجودها، وبالتالي لا إمكانية للحديث عن عزلة للذات على اعتبار أن كل وجود هو بالضرورة وجود مع الغير في العالم، هذا الوجود الغيري بهذا المعنى يشكل تهديدا لتجربة الذات المستقلة والمتفردة.

    إن هذا التهديد يأخذ بعدا فلسفيا لعلاقة صراعية ضرورية بين الأنا والآخر مع "هيغل" و"سارتر"، فرغم تشديدهما على الغير كمكون أساسي للأنا، فقد جعلا العلاقة بينهما علاقة صراع وتشييء، فالوعي في تكونه عند "هيغل"، يواجه وعيا آخر، وخلال هذه المواجهة تنشأ العلاقة الإنسانية التي تتميز بالصراع، مثال علاقة السيد بالعبد، هكذا تتميز العلاقة بين الوعيين بنوع من المجازفة لأن كلاهما يسعى إلى سحب الاعتراف بالأنا، غايته في ذلك الحفاظ على الحياة.

    نفس الأمر مع "سارتر"، الذي بالرغم من تشديده على ضرورة الغير، الذي يعتبره الوسيط الذي لا غنى عنه للأنا، فإن نظرة الغير تسبب إحراجا للأنا، وتشكل عائقا أمام تحررها، إنها تشل حركاتها وإمكانياتها ومقوماتها، وتسلب إرادتها وحريتها، هكذا يتحدد وجود الغير مع الأنا من خلال عمليات التشييء، ويصبح الغير جحيما، تكشف عنه عبارة "سارتر" الشهيرة: "الجحيم هم الآخرون،l’enfer. C’est les autres "

    إن هذه النظرة السلبية للعلاقة مع الغير ، والتي تجعل من وجوده وجودا مهددا ومفقرا لتجربة الذات انطلاقا من الصراع والتشييئ ونزع التفرد والاستقلالية، تبقى نظرة أحادية وقاصرة في نظر بعض المواقف الفلسفية الأخرى التي ترى في وجود الغير إغناء لتجربة الذات؛ فهذا الفيلسوف الفرنسي المعاصر "موريس ميرلوبونتي" ينتقد النظرة التشييئية للغير التي ترى فيه مجرد موضوع قابل للتحليل والتجريب، ويؤكد بالمقابل على ضرورة التعامل مع الغير باعتباره وجودا في ذاته ولذاته، وجودا يمكن من إغناء التجربة الذاتية عبر فتح قنوات الحوار باعتباره تعبيرا تواصليا بين الذوات الإنسانية. فلا يوجد أنا وحده في العالم؛ إذ كل ذات إنسانية تدرك تجربتها في تجربة الغير بواسطة إدراك ليس مباشرا، إدراك يمكن من الاستفادة من تجربة الغير وإغناء التجربة الذاتية عبر النظر إلى ذلك الغير كبنية كلية يمكن التقرب منها والتعرف عليها من خلال عملية إسقاط واستشعار وجداني لإحساسات الغير على الذات، كما يرى "ماكس شيلر"، وكما يعتقد "إدموند هوسرل" الذي يرى بأن الذات توجد في العالم وتدرك الآخرين باعتبارهم ذوات توجد في العالم نفسه الذي توجد فيه الأنا، وهذا التواجد مع الغير يجعله هو أنا وأنا هو؛ إنه التوحد الحدسي في إطار علم البينذاتية...

    إن إغناء التجربة الذاتية هذا يمكن أن يتخذ بعدا علائقيا أخلاقيا، يتجسد على مستوى الصداقة مع الغير مثلا كعلاقة إنسانية نبيلة تجمع بين مشاعر الحب والاحترام كما يرى "كانط"، ويمكن أن يقوم على الغيرية كذلك كقاعدة للإيثار والتضحية تسمح بإنجاز المشاريع الإنسانية الأساسية كما يصرح بذلك عالم الاجتماع الفرنسي "أوغيست كونت"...

    يتبين من خلال تحليل ومناقشة الموقفين المصرح بهما في السؤال أن الذات الإنسانية تعيش وضعا وجوديا إشكاليا حينما توجد مع الغير، ولربما مرد هذا الوضع الوجودي المظطرب يرجع إلى الطابع المفارق والثنائي لمشكلات الغير، باعتباره شبيها ومختلفا، واضحا وغامضا، قريبا وبعيدا، مهددا للذات ومغنيا لها في نفس الآن...، لكن رغم ذلك، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الغير ضروري لوعي الذات وممارسة وجودها في العالم عبر التواصل والحوار والوجود المشترك، رغم مظاهر الصراع والتباعد معه، وبالتالي فقد لا يعني التهديد والغموض، تفقيرا للأنا، كما قد لا يعني الإغتناء عدم وجود صراع بين الأنا والغير.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 24 أكتوبر 2017, 07:48